محمد بن جرير الطبري

239

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أبني لبينى لستم بيد إلا يد ليست لها عضد وإذا وجهت الألف إلى النداء كان معنى الكلام : قل تمتع أيها الكافر بكفرك قليلا ، إنك من أصحاب النار ، ويا من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما إنك من أهل الجنة ، ويكون في النار عمى للفريق الكافر عند الله من الجزاء في الآخرة ، الكفاية عن بيان ما للفريق المؤمن ، إذ كان معلوما اختلاف أحوالهما في الدنيا ، ومعقولا أن أحدهما إذا كان من أصحاب النار لكفره بربه أن الآخر من أصحاب الجنة ، فحذف الخبر عما له ، اكتفاء بفهم السامع المراد منه من ذكره ، إذ كان قد دل على المحذوف بالمذكور . والثاني : أن تكون الألف التي في قوله : أمن ألف استفهام ، فيكون معنى الكلام : أهذا كالذي جعل لله أندادا ليضل عن سبيله ، ثم اكتفى بما قد سبق من خبر الله عن فريق الكفر به من أعدائه ، إذ كان مفهوما المراد بالكلام ، كما قال الشاعر : فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا فحذف لدفعناه وهو مراد في الكلام إذ كان مفهوما عند السامع مراده . وقرأ ذلك بعض قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : أمن بتشديد الميم ، بمعنى : أم من هو ؟ ويقولون : إنما هي أمن استفهام اعترض في الكلام بعد كلام قد مضى ، فجاء بأم فعلى هذا التأويل يجب أن يكون جواب الاستفهام متروكا من أجل أنه قد جرى الخير عن فريق الكفر ، وما أعد له في الآخرة ، ثم أتبع الخبر عن فريق الايمان ، فعلم بذلك المراد ، فاستغني بمعرفة السامع بمعناه من ذكره ، إذ كان معقولا أن معناه : هذا أفضل أم هذا ؟ . والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرأ بكل واحدة علماء من القراء مع صحة كل واحدة منهما في التأويل والاعراب ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .